جان لوئيس بوركهارت

135

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

وجدتنى مضطرا لتغيير خططى . كنت قد جلبت معي بعيرا وحمارا لأحمل أولهما المتاع والزاد والماء ، ولأمتطى ثانيهما جريا على عادة التجار النوبيين الذين يسافرون إلى بلاد الزنج على حمير يبيعونها فيها ثم يعودون راكبين جمالهم . ولم أصطحب معي خادما هذه المرة ، فقد بعثت بالفلاح الذي كان يخدمنى أصدق خدمة طوال إقامتي بالصعيد إلى القاهرة وأنا مغادر إسنا وحملته طائفة من الخطايات ، لأننى عقدت العزم على أن أجرب حظى في هذه البلاد وحيدا بغير خادم . ولقد تعلمت بالتجربة أن الأجراء الذين لا يحفزهم للخروج في الرحلات الشاقة الخطرة إلا ما يصيبون من أجر شهري ، يكرهون في العادة ركوب الخطر ويجفلون من المشقات مهما هانت ، فيصبحون كلّا على سادتهم لا عونا لهم ، بل إن منهم من يعرض حياة سيده للخطر بجهله أو غدره . ولما كنت موفور العافية فإني لم أحجم عن تحمل العبء الإضافى الذي كان يحمله عنى خادمي لو أنه رافقني في الرحلة . وفي دراو أتيح لي أن أرى ما أعده المسافرون من عدة للرحلة ، وأن أتبين أنني لم أتوخ ما توخوا من اقتصاد شديد . ذلك أن متاعي وزادي كانا يزنان زهاء قنطارين ، في حين يطيق جملي حمل ستة قناطير . أما مئونتى من الماء فكنت سأحملها في قربتين صغيرتين أعلقهما على بردعة حماري . وعلى ذلك يستطيع جملي أن يحمل أربعة قناطير أخر يبلغ أجر نقلها عشرين ريالا بواقع خمسة ريالات للقنطار . فلو أنني استهنت بهذا المبلغ لتعرضت لنقد رفاقى ، ولحملتهم على الظن بأنني ثرى أمثل . وسرعان ما عرض على بعضهم أن أنقل لهم أربعة قناطير عبر الصحراء إلى القوز لقاء الأجر المذكور ، ولكني رأيت أن تحميل الجمل بهذا الحمل ثم إنزاله عنه سيجشمنى عناء كبيرا ، لذلك استصوبت أن أبيع الجمل ، وما لبثت أن وجدت له مشتريا نقدنى فيه خمسة وعشرين ريالا لأن الإبل كانت عزيزة بصعيد مصر في ذلك الحين ، وتكفل الرجل في هذه الصفقة بنقل متاعي عبر الصحراء . ذهبت إلى دراو متنكرا في زي تاجر فقير ، وهو المظهر الوحيد الذي أحسبنى كنت أوفق فيه . ولست أرى بأسا من أن أسوق إلى القارئ هنا بيانا مفصلا بما كنت أحمل من متاع وزاد ، فأنا شخصيا كنت إذا قرأت كتب الرحلات أتوق إلى جمع هذه المعلومات للإفادة منها .